السيد عباس علي الموسوي
23
شرح نهج البلاغة
وكم من دعاء له سمعه بأذنه قد أوجع قلبه من كبير يعظمه ويحترمه أو صغير يعطف عليه ويحبه فجعل نفسه وكأنه لم يسمعه لأنه لا يحسن رد الإجابة ولا يقدر على التلبية . فالأهل يدعونه أن يرد عليهم وأطفاله يصرخون من حوله وهذا يؤلمه ويوجع قلبه ومع ذلك يصم أذنيه ويجعل نفسه كأنه لم يسمع . . . ( وإن للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة أو تعتدل على عقول أهل الدنيا ) وهذه جملة واحدة تلخّص ما كان وما يكون إنه الإقرار بالعجز عن استيعاب صفات الموت وما يمر على المحتضر من شدائد ومصاعب وعقبات . . . إنها أكبر من الوصف وأعظم من أن تستوعبها كلمات إنها لشدائد لا تستقيم لها العقول ولا تقبلها عقول أهل الدنيا إذا شرحت لهم على حقيقتها ووصفت كما هي واعتبر الحال بمرض مزمن شديد في دار الدنيا هل يقدر المصاب به على شرحه وبيانه كما هو وهل يفي لسانه بما يعيش فيه من ألم فكيف بعالم الاحتضار والنزع وشدائد الموت ومصاعبه وما يمر على هذا الميت من سكراته وأوجاعه . . . الكلمات تعجز عن تقديم صورة صحيحة تؤدي فيها الحقيقة وتنقلها كما هي . . . أعاننا اللّه على الموت وسكراته وما يعقبه بالنبي وآله . . . ملاحظة : لم أقدر أن أطوي كلمة صحيحة قالها ابن أبي الحديد في نهجه عن هذه الخطبة . . . لقد حاولت فشدني حب الإمام إلى ذكرها قهرا عني لأنها كلمة حق صادقة وأنا أقتطف من كلامه هذه الفقرات القليلة قال : هذا موضع المثل « ملعا يا ظليم وإلا فالتخوية » من أراد أن يعظ ويخوف ويقرع صفاة القلب ويعرف الناس قدر الدنيا وتصرفها بأهلها فليأت بمثل هذه الموعظة في مثل هذا الكلام الفصيح وإلا فليمسك ، فإن السكوت أستر والعي خير من منطق يفضح صاحبه ومن تأمل هذا الفصل علم صدق معاوية في قوله فيه : « واللّه ما سنّ الفصاحة لقريش غيره » وينبغي لو اجتمع فصحاء العرب قاطبة في مجلس وتلي عليهم أن يسجدوا كما سجد الشعراء لقول عدي بن الرفاع : قلم أصاب من الدواة مدادها . وأكمل ابن أبي الحديد حتى قال : « وأقسم بمن تقسم الأمم كلها به ، لقد قرأت هذه الخطبة منذ خمسين سنة وإلى الآن أكثر من ألف مرة ما قرأتها إلا وأحدثت عندي روعة وخوفا وعظة وأثرت في قلبي وجيبا وفي أعضائي رعدة ولا تأملتها إلا وذكرت الموتى من أهلي وأقاربي وأرباب ودي وخيّلت في نفسي أني أنا ذلك الشخص الذي وصف عليه السلام حاله . . . » .